نصر حامد أبو زيد
126
الاتجاه العقلي في التفسير
وكل هذه المقارنة الطويلة بين الفعل إذا وقع محكما ودلالته على علم فاعله ، وبينه إذا وقع على جهة الاحتذاء فلا يدل ، وبين اللغة وكيف أن وقوعها من جهة الحكيم يجعلها تدل ، بينما وقوعها من جهة من لم تثبت حكمته يجعلها طريقا للنظر . كل ذلك يؤكّد النظرة الدينية لطبيعة اللغة ودلالتها عند المعتزلة . هذا من جهة التفرقة بين المتكلمين . أمّا من جهة الكلام نفسه ، فالكلام يدل إذا تجرّد عن القرينة بطريقة تختلف عن دلالته مع وجود القرينة ، لكنها تدل على أي حال . والمهم أن نفهم قصد المتكلم وغرضه . والقرينة في حالة المتكلم العادي - من لم تثبت حكمته - لا بدّ أن تكون قرينة لفظية موجودة في الكلام نفسه . أمّا في حالة المتكلم الحكيم - وهو اللّه - فمعرفتنا بحكمته وأنه لا يكذب ولا يفعل القبيح - وهي معرفة عقلية سابقة على الشرع عند المعتزلة - هي القرينة التي تعلو على كل قرينة ، والتي تجعل كلامه دلالة لا محالة . وسواء كانت القرينة لفظية أو عقلية فوضوح قصد المتكلم يظل هو الهدف ما دامت اللغة دلالة ، وعلى ذلك « لا يمتنع اطلاق العبارة في غير حقيقتها إذا فهم الغرض » 110 * * * إذا كان الاتساع والاشتراك يدخل من جهة المواضعة ، كما يدخل من جانب المتكلم ، فليس من حق المتكلم أن ينقل أي لفظ شاء إلى أي معنى يريد ، وإلّا اختلّت الدلالة اللغوية . فهناك في اللغة نوعان من الأسماء : الألقاب المحضة ، وأسماء المعاني أو الصفات . والفارق بين هذين النوعين أن اللقب لا يفيد فيما يشير إليه أكثر من مجرد الإشارة ، وذلك كاسم العلم الذي يشير إلى مسماه دون أن يحدد صفة من صفاته أو يبرز خاصية من خواصه . ولذلك قد يطلق اسم واحد على أفراد كثيرين دون أن تختل دلالة الإشارة في اللقب . أمّا أسماء الصفات أو أسماء المعاني فهي تشير إلى خاصية في الشيء المشار إليه ، فكلمة « أسود » تشير إلى صفة « السواد » في الشيء المشار إليه « اعلم أن الاسم على ضربين : أحدهما لا يفيد في المسمى به وإنما يقوم مقام الإشارة في وقوع التعريف به من غير أن يقع التعريف بما يفيده ، وهو الذي سميناه بأنه لقب محض . ومنه ما يفيد في المسمى به جنسا أو صفة . . . وهو الذي يسميه شيوخنا صفات ، ولا يجعلون الفارق بين الاسم والصفة ما يقوله أهل العربية في ذلك ومثال اللقب المحض هو قولنا زيد وعمرو إلى ما شاكله . والقول في أن ذلك لا يفيد بين ، لأنه يقع موقع الإشارة فكما أن الإشارة تعرف ولا تفيد في المشار إليه حالا وصفة ، فكذلك ما أقيم مقامها ، ولذلك يصح تبديل اللقب وصفة الملقب واحدة ، وتختلف الألقاب والصفة واحدة ، وتتفق